أسطورة التجربة الأولى

في كل حكاية تبدأ بخطوةٍ صغيرة، هناك قرارٌ كان يمكن ألا يُتّخذ لو وُجد الوعي الكافي في اللحظة المناسبة. هكذا تبدأ أغلب قصص الإدمان، لا بالنية في التعاطي، بل بخرافةٍ تُروّج باسم “التجربة الأولى”. تلك التجربة التي يظنها الشاب مغامرة عابرة، لكنها في حقيقتها طريقٌ مُنحدر لا رجعة فيه إلا بمعاناةٍ طويلة.

حين نتأمل في فلسفة القيادة الإماراتية لبناء الإنسان، نجد أنها لا تكتفي بوضع القوانين، بل تزرع في الشباب روح الوعي، لأن الوقاية – كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة – حفظه الله – هي استثمار في المستقبل:

«الشباب هم ركيزة المستقبل وطاقتهم هي وقود التنمية، وبوعيهم نحمي الوطن من أي خطرٍ يهدده»
(وكالة أنباء الإمارات – وام، أغسطس 2022)

هذه الكلمات تختصر جوهر المعركة التي نخوضها ضد الجهل بالمخاطر. فالمخدرات لا تبدأ في المراكز العلاجية، بل تبدأ في حديثٍ بين أصدقاء، في لحظة ضعف، أو في اقتناعٍ زائف بأن التجربة لن تترك أثرًا. وهنا تكمن الخطورة؛ فالتجربة الأولى ليست بريئة، بل هي بذرة الإدمان التي تُغيّر كيمياء الدماغ وتزرع الحاجة الدائمة للتكرار.

لقد بيّنت الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات (2024–2031) أن أكثر من 70% من حالات الإدمان في المنطقة تبدأ بالتجربة الأولى في عمرٍ لا يتجاوز العشرين. وهي لحظةٌ واحدة قد تسرق العمر بأكمله. لهذا ركّزت الإمارات على نشر ثقافة الوعي في المدارس والجامعات، وعلى تمكين الأسرة والمعلمين ليكونوا شركاء في رصد هذه اللحظة قبل أن تتحوّل إلى مأساة.

يقول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي – رعاه الله – في أحد تصريحاته:

«نريد شبابًا يصنعون المستقبل بعقولهم لا أن تضيع عقولهم في سرابٍ قاتل»
(من كتاب “ومضات من فكر”)

فالعقل الذي يُبدع ويبتكر هو الذي نريد أن نحميه. والتجربة التي يجب أن يعيشها شبابنا ليست تجربة الخطر، بل تجربة النجاح، والابتكار، والتميز. إنّ الإمارات حين تستثمر في التعليم والثقافة والرياضة والفنون، فهي تمنح الشباب بدائل إيجابية تغنيهم عن البحث عن وهم السعادة الزائفة في التجربة الأولى.

وفي هذا الإطار، تشجّع المبادرات الوطنية على دمج الشباب في العمل التطوعي والتوعوي، ليكونوا رسلًا للمعرفة بين أقرانهم. فالكلمة الصادقة من صديقٍ واعٍ قد تنقذ حياة صديقٍ آخر. وهذا ما أكده سمو الشيخ راشد بن حمد الشرقي رئيس هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام بقوله:

«الثقافة هي الطريق إلى وعي الإنسان بنفسه وبمجتمعه، وكل وعيٍ حقيقيٍّ هو مساهمةٌ في بناء الوطن»
(صحيفة الخليج – مايو 2008)

إن مواجهة أسطورة التجربة الأولى ليست معركة أمنية فقط، بل معركة فكرية وثقافية ونفسية. فهي لا تُحارب بالقوة، بل بالقدوة، ولا تُمنع بالخوف، بل بالمعرفة. حين يدرك الشاب أنّ قراره بالتجربة ليس حرية، بل بداية عبودية لمادةٍ تسرق إرادته، يصبح الوعي أقوى من أي إغراء.

لقد أثبتت برامج “جودة الحياة” في دولة الإمارات أنّ رفع الوعي النفسي والاجتماعي يقلل السلوكيات الخطرة بنسبةٍ كبيرة، وأنّ إشراك المجتمع في الوقاية هو الطريق الأنجع لحماية الأجيال. ولذلك تتكامل الجهود بين وزارات الداخلية والتربية والتعليم والصحة لتنفيذ رؤية “مجتمع آمن ومستدام” ضمن رؤية الإمارات 2031.

إنّ التجربة الأولى التي نحتاجها اليوم هي تجربة الوعي… تجربة الحوار الصادق بين الأجيال… وتجربة الانتماء الحقيقي لوطنٍ يضع الإنسان في الصدارة ويصون عقله قبل جسده. وهكذا، حين نُطفئ أسطورة “التجربة الأولى”، نُضيء ألف تجربة حياةٍ ناجحة، ونمنح أبناءنا مستقبلاً يليق بطموح الإمارات.

 

📚 المراجع الرسمية:

  1. وكالة أنباء الإمارات (وام) – كلمة رئيس الدولة حول دور الشباب في التنمية 2022.
  2. كتاب ومضات من فكر – محمد بن راشد آل مكتوم.
  3. صحيفة الخليج – حوار الشيخ راشد بن حمد الشرقي حول الثقافة وبناء الإنسان (2008).
  4. الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات 2024–2031 – وزارة الداخلية.
  5. البرنامج الوطني لجودة الحياة – وزارة تنمية المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *